ابن الجوزي
225
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
فكتب إليه الحجاج : إنك كتبت إلي كتاب امرئ يحب الهدنة ، ويستريح إلى الموادعة ، لعمرك يا ابن أم عبد الرحمن ، إنك حين تكف عن ذلك العدو تظنني سخي النفس عمن أصيب من المسلمين ، وقد رأيت أنه لم يحملك على ما رأيت إلا ضعفك ، فامض لما أمرت به من الإيغال في أرضهم ، وقتل مقاتليهم ، ثم أردفه كتابا آخر : أما بعد ، فمر من قبلك من المسلمين أن يحرثوا ويقيموا ، فإنّها / دارهم حتى يفتحها الله عز وجل عليهم . ثم أردفه كتابا آخر : أما بعد ، فامض لما أمرت به وإلا فخل ما وليت لأخيك إسحاق . فدعا الناس وقال : إن الَّذي رأيت وافقني فيه أهل التجارب ورضوه رأيا ، وكتبت بذلك إلى الحجاج فجاءني منه كتاب يعجزني ويأمرني بتعجيل الإيغال في البلاد التي هلك فيها إخوانكم بالأمس ، وإنما أنا رجل منكم أمضي إذا مضيتم ، وآبى إذا أبيتم ، فثار إليه الناس ، وقالوا : لا بل نأبى على عدو الله ولا نطيعه . فقام عامر بن واثلة الكناني ، فقال : إن الحجاج لا يبالي بكم فإن ظفرتم أكل البلاد ، وإن ظفر عدوكم كنتم الأعداء البغضاء فاخلعوه وبايعوا للأمير عبد الرحمن ، وإني أشهدكم أني أول خالع . وقام عبد المؤمن بن شبث بن ربعي ، فقال : إن أطعتم الحجاج جعل هذه البلاد بلادكم ، فبايعوا أميركم وانصرفوا إلى عدو الله الحجاج فانفوه عن بلادكم . فوثب الناس إلى عبد الرحمن فبايعوه ، فقال : تبايعونني على خلع الحجاج والنصرة لي وجهاده معي حتى ينفيه الله من أرض العراق ، فبايعه الناس ، ولم يذكر خلع عبد الملك ، وأمر عبد الرحمن الأمراء ، وبعث إلى رتبيل فصالحه على أنه إن ظهر فلا خراج عليه أبدا ، وإن هزم وأراده ألجأه عنده . وبعث الحجاج إليه الخيل ، وجعل ابن الأشعث على مقدمته عطية بن عمرو العنبري ، فجعل لا يلقى للحجاج خيلا إلا هزمها ، ثم أقبل عبد الرحمن حتى مرّ بكرمان ، فبعث عليها خرشة بن عمرو التميمي ، فلما دخل الناس فارس اجتمع بعضهم إلى بعض ، فقالوا : إنا إذا خلعنا الحجاج عامل عبد الملك فقد خلعنا عبد الملك ، فاجتمعوا إلى عبد الرحمن وبايعوه ، فكان يقول لهم : تبايعونني / على كتاب الله عز وجل وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وخلع أئمة الضلالة ، وجهاد المحلين ، فإذا قالوا : نعم بايع .